عام

أبٌ أعزب يُعيد محفظةً مفقودة…

أبٌ أعزب يُعيد محفظةً مفقودة… وفي اليوم التالي يُستدعى للمحكمة في قضية لم تكن القاضية تتوقعها
حين عثر إميليو أورتيغا على تلك المحفظة الملقاة في موقف سيارات سوبرماركت الأمل، لم يتخيّل قط أن فعلًا بسيطًا من الصدق سيقلب حياته رأسًا على عقب، وكأن يدًا خفية أعادت ترتيب رقعة القدر كاملة.

كان إميليو معتادًا على العيش بقلبٍ متماسك على وضعية “التحمّل”. في الثانية والثلاثين من عمره، يداه خشنتان من حمل الصناديق، وله ابنة في الثامنة من عمرها، كلاريتا، كانت بوصلته، ومنبّه حياته، وسبب نهوضه قبل شروق الشمس كل يوم.

أمّ كلاريتا رحلت إلى مونتيري “من أجل العمل” كما قالت، ثم بدأت تختفي تدريجيًا، كما تُمحى رسالة قديمة: في البداية تأخرت الردود، ثم صارت باردة مقتضبة، ثم… صمتٌ كامل.
لم يكن إميليو يتحدث عن ذلك كثيرًا؛ لم يُرِد لابنته أن تتعلّم الإحساس بالهجران.
في ذلك الصباح، استيقظت السماء رمادية، مثقلة بالغيوم، والريح الباردة تخـ,ـترق المعطف كالسـ,ـكاكين. أعدّ إميليو القهوة، دهن الخبز بالزبدة، ورتّب حقيبة طعام كلاريتا بعناية من يصنع معجزةً صغيرة كل يوم.

قالت كلاريتا، بصوتٍ لا يزال يحمل بقايا النوم، وهي تعـ,ـانق دميتها كطوق نجاة:
— هل ستستطيع الحضور إلى عرضي اليوم؟
ابتلع إميليو ريقه. كان مديره قد أخبره أن اليوم سيكون شاقًا، وأن شاحنتين من البضائع ستصلان. أراد أن يقول “نعم” من أعماق قلبه… لكن الواقع كان دائمًا يطالبه بثمنٍ باهظ.
— سأحاول يا صغيرتي، أعدك أنني سأحاول — قال مبتسمًا، رغم الألم.

أومأت كلاريتا وكأن العبارة عقدٌ رسمي. شعر إميليو بوخزة ذنب؛ لأنه يعرف أن “المحاولة” لا تكون كافية دائمًا.
أنزلها عند المدرسة، عدّل لها الشريط الأصفر، وقبّل جبينها.
— أنتِ تلمعين حتى لو لم أكن حاضرًا.
— لكنني أحب عندما تكون حاضرًا — أجابت ببساطةٍ صادقة، جعلته يفقد أنفاسه للحظة.
في موقف السيارات، لم يكن هناك سوى عدد قليل من المركبات. أغلق باب سيارته على عجل، فدوّى صوت الريح، وهناك رآها:
محفظة جلدية داكنة، أنيقة، ملقاة قرب الممر.

انحنى والتقطها. كانت ثقيلة… من النوع الذي لا يُشترى من الأسواق الشعبية.
فتحها: بطاقة هوية، بطاقات مصرفية، نقود مطوية بعناية، وصورة قديمة لامرأةٍ تبتسم وهي تحتضن طفلة. كانت الصورة تحمل فرحًا لا يُصطنع.
توقف إميليو لحظة أطول مما ينبغي، يحدّق في المال.
فكّر في فاتورة الغاز، في مصروف المدرسة، في حذاء كلاريتا الذي ضاق بها. فكّر في سهولة أن يضع المحفظة في جيبه ويمضي. لم يكن أحد يراقبه.

لكنه تذكّر أيضًا ما كان يقوله لابنته منذ أن بدأت تفهم الكلمات:
الصدق هو أن تفعل الصواب حتى عندما لا يراك أحد.
ها هو الامتحان… في موقفٍ شبه خالٍ، والبرد ينهش أصابعه.
تنفّس بعمق، أغلق المحفظة، ودخل إلى السوبرماركت.
في قسم خدمة الزبائن، نظرت إليه الموظفة باستغراب حين سلّمها المحفظة.

— وجدتها هكذا؟ — سألت بشكّ.
— نعم — قال إميليو — فقط أريد أن تعود إلى صاحبتها. وإن جاءت، أخبريها أن شيئًا لم ينقص.
نظرت إليه بدهشة واحترام.
— قليلون يفعلون هذا هذه الأيام.
ابتسم ابتسامة خجولة وقال:
— على الإنسان أن يكون الشخص الذي يتمنى أن تكونه ابنته.
ومضى إلى عمله بقلبٍ أخفّ قليلًا.

انقضى اليوم بين الصناديق والممرات. وعند خروجه كان التعب يسكن حتى أفكاره. حين وصل لأخذ كلاريتا، ركضت نحوه وهي تحمل ورقة.
— انظر يا أبي! رسم لنا في الحديقة.
أمسك الرسم كما لو كان شيئًا ثمينًا هشًّا.
— جميل جدًا — قال، وقد اغرورقت عيناه دون استئذان.
في تلك الليلة، وبعد أن نامت كلاريتا، جلس إميليو في شرفة الشـ,ـقة، يرتدي معطفه، والريح رفيقته. فكّر في الحياة، وكيف أن أحيانًا كل ما يبقيك واقفًا هو أنك فعلت الصواب، حتى لو لم يصفّق لك أحد.
في صباح اليوم التالي، عند العاشرة تمامًا، طُرِق الباب.

سلّمه ساعي البريد ظرفًا بنيًّا مختومًا بختمٍ رسمي: المحكمة.
شعر إميليو ببرودة تسري في ظهره. لا مخالفات، لا قضايا، لا نزاـ,ـعات… فلماذا المحكمة؟
جلس، فتح الظرف، وقرأ.
كانت استدعاءً رسميًا للحضور في اليوم التالي.
موقّع باسم: الدكتورة هيلينا فاسكيز دي لا كروز – قاضية محكمة الأسرة.
ارتجف اسمه في معدته. عاد بذاكرته إلى المحفظة… إلى بطاقة الهوية…
وكان الاسم ذاته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى