
كانت صاحبة المتجر، دونا يولاليا، امرأة في الستين، تعرف روبرتو منذ سنوات، وتعامله دائمًا بتعاطف واحترام لمأساته الطويلة.
قالت له بنبرة هادئة: «مرّ وقت طويل يا دون روبرتو»، ثم أشارت إلى صندوق خلفها، مضيفة أنها أضافت مؤخرًا بعض الألعاب القديمة.
-
هبة إبراهيم العقاد بنت الفنانة ليلى غفرانمنذ 3 أسابيع
-
كنت علي وشك التبرعفبراير 12, 2026
-
علامات البحـر المتوسط بدأت بالظهورفبراير 12, 2026
أومأ روبرتو برأسه واتجه نحو قسم الألعاب، كان صغيرًا لكنه منظم بعناية، مليئًا بدمى مهملة، وسيارات صدئة، وألعاب طفولة صامتة.
وبين صندوق بلاستيكي باهت وكومة ألعاب بلا روح، وقعت عيناه على دمية باربي ذات شعرٍ أحمر، فتسارع نبض قلبه بعنــ . ــف.
كانت متطابقة تقريبًا مع دمية مارينا، نفس الشعر الأحمر، نفس فستان الأميرة الأزرق، لكن ما أثار رعبه حقًا هو حالتها الجيدة.
بدت مستخدمة، لكنها لا تحمل آثار الزمن المتوقعة، فأدارها بين يديه، وقلبها للخلف، ولاحظ شيئًا محفورًا على ظهرها.
كان الاسم مكتوبًا بخط طفولي واضح: مارينا، تمامًا كما كانت تكتب اسمها في سن الثامنة، قبل أن تختفي بلا أثر.
وبلا تفكير، ضغط روبرتو زر الصوت، فخرج تسجيل لم يكن كالألعاب العادية، بل صوت بشري واضح ومخيــ,,ـــــف في صدقه.
قال الصوت: «بابا، ساعدني، أنا مش قادرة أخرج، أنا خايفة»، وكان الصوت بلا شك… صوت مارينا نفسها.
تجمد روبرتو في مكانه، وارتجفت يده بقوة حتى اصطدمت بالمنضدة الخشبية، فرفعت دونا يولاليا رأسها بقلق.
سألته: «هل كل شيء بخير يا دون روبرتو؟»، لكنه لم يجب، كان مصدومًا، مشلولًا، غير قادر على تصديق المستحيل.
كانت تلك الدمية آخر ما تبقى من ابنته، ذكرى تحمل صوتها، وصرخة استغاثة مؤجلة، جعلت العالم كله يتوقف للحظة.
لكن الأسئلة انفجرت في رأسه دفعة واحدة؛ من أين جاءت هذه الدمية؟ ومن الذي أحضرها إلى السوق؟ وكيف انتهى صوت مارينا محبوسًا داخل لعبة؟
جمع روبرتو ما تبقى من قوته، وضغط زر الصوت مرة أخرى، لفترة أطول، فاستمر التسجيل، وكأن الذكرى كانت تنتظر من يوقظها.
قال الصوت المرتجف: «شخص ما أخذني إلى مكان كبير، فيه أطفال كثيرون، قلت لهم إن لي أمًا وأبًا، لكنهم لم يصدقوني».
توقف أنفاس روبرتو عندما تابع الصوت: «من فضلك، ابحثوا عني»، ليشعر بأن قلبه يتمزق تحت وطأة الأمل والخوف معًا.
ثم وصف الصوت بيتًا كبيرًا، ذا جدران فاتحة، وبوابة عالية، ولافتة تحمل اسم دار سانتا تيريزا، فشعر روبرتو بأن ساقيه توشكان على الانهيار.
كان يعرف هذا الاسم جيدًا؛ مؤسسة تقع في منطقة سان خوسيه دوس بينيس، قرب كوريتيبا، لكن السؤال المؤلم ظل يطارده: لماذا لم يبحثوا هناك من قبل؟
اقترب من دونا يولاليا بصوت مرتجف، وقال: «من فضلك، هذه الدمية… من أين جاءت؟ ومن الذي أحضرها إلى المتجر؟».
نظرت إليه باستغراب، ثم أجابت بهدوء: «امرأة جاءت منذ أيام، كانت تتبرع بملابس وألعاب، قالت إنها تقوم بتنظيف منزل».
سألها بإلحاح إن كانت تتذكر تفاصيل أكثر، فوصفَت امرأة متوسطة الطول، شعرها داكن، ترتدي زيًا أبيض يوحي بأنها تعمل في مجال رعاية أو تمريض.
لم تكن تتذكر اسمها، ولا سألتها عن شيء، فقد وضعت التبرعات ورحلت سريعًا، كأنها لا تريد أن تُرى أو تُسأل.
دفع روبرتو ثمن الدمية، مبلغًا رمزيًا، لكنه شعر أن ما يحمله بين يديه أغلى من أي شيء امتلكه في حياته.
خرج مسرعًا، وتوقف عند هاتف عمومي قريب، واتصل بالمفوض ماركوس فيانا، الذي ظل على تواصل معه رغم مرور السنين.
حكى له كل شيء؛ الدمية، التسجيل الصوتي، واسم دار سانتا تيريزا، فصمت فيانا لحظة، ثم قال بنبرة جادة إنه أمر يستحق التحقيق.
أوضح فيانا أن الدار لم تُفحص بعمق وقت اختفاء مارينا، لأنها لم تستقبل أطفالًا جددًا رسميًا في تلك الفترة.
وأضاف أن التسعينات شهدت حالات تبنٍّ غير قانونية، واستغلال أطفال عبر مؤسسات واجهة، ما يجعل الاحتمال مرعبًا… لكنه ممكن.
أغلق روبرتو الهاتف، وهو يدرك أن رحلته لم تنتهِ بعد، وأن الحقيقة التي اقترب منها الآن، قد تكون أخطر مما تخيّل يومًا.







